محمود شيت خطاب

346

الرسول القائد

صلّى اللّه عليه وسلم ذلك قال : ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) ؛ وبعث علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم « 1 » . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ( يا علي ! أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك ) ، فخرج علي حتى جاءهم ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال ، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب « 2 » ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم حين فرغ منهم : ( إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مما لا يعلم وتعلمون ) ، فلما رجع وأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بما فعل ، قال له : ( أصبت وأحسنت ) « 3 » . ومن الواضح أن الرواية الأولى ، وهي الرواية التي رواها الإمام البخاري في صحيحه هي الصحيحة ، لأن صحيح البخاري هو أوثق المصادر في روايته ، ولأنها أقرب للعقل والمنطقق ، ولأن خالدا لو اقتنع بإسلامهم لما تجرأ مطلقا على قتلهم . لقد قال بنو جذيمة : ( صبأنا . . . صبأنا ) ، فحمل خالد هذه اللفظة على ظاهرها ، أي أنهم خرجوا من دين إلى دين ، فلم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالاسلام « 4 » ، والدليل على ذلك أنه قال لهم : ( ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا ) « 5 » ، وهذا دليل قاطع على أنه لم يقتنع بأن كلمة : ( صبأنا ) ، هي بمعنى : أسلمنا « 6 » .

--> ( 1 ) - أنظر طبقات ابن سعد 2 / 147 - 148 ، وسيرة ابن هشام 4 / 54 . ( 2 ) - ميلغة الكلب : خشبة تحفر ثم تتخذ ليلغ فيها الكلب . ( 3 ) - سيرة ابن هشام 4 / 55 ، والطبري 2 / 242 ، وجوامع السيرة ص 235 ، وعيون الأثر 2 / 186 . ( 4 ) - فتح الباري بشرح البخاري 8 / 46 . ( 5 ) - سيرة ابن هشام 4 / 53 والطبري 2 / 341 وابن الأثير 2 / 97 وتاريخ أبي الفدا 1 / 145 . ( 6 ) - انظر تفاصيل ذلك في سيرة خالد ابن الوليد المخزومي في كتابنا : قادة فتح العراق والجزيرة 72 - 74 .